الموسيقى في المغرب: ليست فنًا فقط بل بنية اجتماعية أيضًا
في المغرب تؤدي الموسيقى غالبًا عدة وظائف في الوقت نفسه. يمكن أن تكون ترفيهًا، لكنها قد تكون أيضًا تربية (عبر الكلمات والأمثال)، ولُحمة اجتماعية (الأعراس واحتفالات الحي)، بل وحتى شكلًا من “العمل الطقوسي” (الطقوس، الشفاء، الترانس). لذلك فإن المشهد الموسيقي أغنى من مجرد قائمة أنماط: فالمعنى يعتمد كثيرًا على السياق—أين تُؤدّى، ولمن، ولماذا.
تمييز مفيد: موسيقى المسرح مقابل موسيقى المناسبات
- موسيقى المسرح: حفلات، مهرجانات، تسجيلات استوديو؛ غالبًا موجّهة لجمهور يستمع.
- موسيقى المناسبات: أعراس، سياقات دينية أو عائلية؛ موجّهة للمشاركة (الغناء، الرقص، التصفيق على الإيقاع).
كثير من الأنماط المغربية تتحرك بين هذين العالمين. قد تكون للأغنية وظيفة في العرس ووظيفة أخرى على منصة مهرجان.
كناوة: الإيقاع كذاكرة، والترانس كتقنية
كناوة هي في الوقت نفسه موسيقى وطقس وممارسة معرفة متوارثة. ترتبط تاريخيًا بجذور أفريقية، وتطورت في المغرب إلى نظام موسيقي-طقوسي واضح المعالم. من يختزل كناوة في “موسيقى ترانس” يفوّت جوهرها: فهي أيضًا طريقة لتنظيم الجماعة، وضبط التوتر، وحفظ القصص.
كيف “تعمل” كناوة (موسيقيًا واجتماعيًا)
- تكرار باتجاه: الأنماط لا تتكرر عشوائيًا؛ بل تبني الشدة على مراحل. وهذا يمنح التجربة بنية.
- نداء واستجابة: المنشد والكورَس يصنعان طاقة جماعية: «نعم، نحن هنا معًا». تسمع الجماعة في الزمن الحقيقي.
- التوقيت قبل البراعة: القوة غالبًا في التوقيت الدقيق والـ groove، لا في “سرعة النوتات”.
الآلات كأدوار داخل فريق
- الكمبري (gimbri/hajhuj): الأساس الغليظ. ليس باسًا فقط، بل “آلة توجيه” تحدد المسار.
- القراقب: معدن يخترق المشهد الصوتي؛ شبكة إيقاعية يمكن للجميع الارتكاز عليها.
- الطبل (tbel): طابع احتفالي/طقوسي؛ يُستخدم كثيرًا كبداية أو انتقال لتمييز “الفضاء”.
الطقس والمعنى: لماذا لا يجب أن يكون الترانس “غامضًا”
يمكن فهم الترانس كتقنية ثقافية: حالة تنشأ عبر الإيقاع والتكرار والتنفس وديناميات المجموعة وتوقعاتها. في سياقات كناوة غالبًا ما تكون هذه الحالة مدمجة في رموز وألوان واختيار مقاطع وترتيب واضح. لذلك فهي ليست “عشوائية” بل منظمة. وهذا يفسر أيضًا لماذا يمكن أن تكون كناوة مؤثرة على المسرح، لكنها تكتسب طبقة إضافية في السياق الطقوسي: حينها تصبح الموسيقى جزءًا من عملية.
كناوة اليوم: من التقليد إلى الحوار
في المدن المغربية الحديثة تظهر كناوة بشكل متزايد في مزجيات (جاز، روك، إلكتروني). وهذا ليس بالضرورة قطيعة مع التقليد؛ غالبًا ما يكون حوارًا. والسؤال المتكرر: ما الذي يبقى مقدسًا (البنية، توزيع الأدوار، احترام السياق) وما الذي يمكن أن يتغير (الصوت، شكل العرض، المدة)؟
الشعبي: “موسيقى الناس” ولذلك هي دائمة الحركة
الشعبي موسيقى شعبية بأوسع معنى: اجتماعية، مباشرة، وسهلة التعرّف. تعيش في إيقاع الحياة اليومية وفي لحظاتها الكبرى (العرس، الاحتفال، العودة للبيت، الحي). وهو أقل “أسلوبًا” وأكثر وظيفة: موسيقى تجمع الناس، وتفرّغ التوتر، وتخلق لغة مشتركة.
الشعبي كمرآة اجتماعية
- صدق عاطفي: الكلمات قد تكون حادة أو ساخرة أو مواجهة؛ وغالبًا أقرب لـ“لغة الشارع” من المثاليات الشعرية.
- طقس جماعي: لحظة الغناء الجماعي أو التصفيق هي شكل من أشكال التأكيد الاجتماعي.
- هوية مرنة: الشعبي يتكيف بسهولة مع الهجرة والإعلام والموضات؛ ويظل يُعرف بأنه “موسيقتنا” حتى عندما يتغير.
كيف تميّزه موسيقيًا
الشعبي غالبًا قابل للرقص ومبني على الزخم: groove لا يتركك. بناء الطاقة أساسي: بداية، تسريع، لحظات غناء جماعي، فواصل، ثم العودة إلى الدفع الإيقاعي. إنها موسيقى صُنعت لقاعة أو خيمة أو غرفة جلوس—لا لسماعات الأذن فقط.
المدينة والطبقة والذوق (من دون كاريكاتير)
أحيانًا يُوضع الشعبي في قوالب (“بسيط”، “منخفض”، “فقط للفرح”). لكن في الحقيقة هو انعكاس لثقافة المدينة وحياة العمل والطموح الاجتماعي. وغالبًا ما يعتمد التقدير على السياق: ما يبدو “مباشرًا جدًا” في مكان فاخر قد يكون بالضبط ما يحتاجه الاحتفال العائلي.
الموسيقى الأمازيغية: اللغة تراث، والموسيقى أرشيف
الموسيقى الأمازيغية ليست نوعًا واحدًا، بل مجموعة تقاليد إقليمية مرتبطة بقوة باللغة والمشهد الطبيعي والجماعة. حيث لم تكن الكتابة والأرشفة دائمًا في المركز، كانت الموسيقى في كثير من الأحيان ذاكرة: قصص وقيم وتاريخ محمولة في اللحن والكلمة.
الشعر والإيقاع: ما يوجد “تحت” اللحن
- أدب شفهي: الكلمات تحمل أمثالًا ودروسًا أخلاقية وحكايات عائلية وقصص حب.
- صيغة جماعية: كثير من العروض أحداث جماعية: تسمع جماعة لا مجرد مؤدٍ منفرد.
- المشهد الطبيعي في الصوت: السرعة والنبرة واختيار الآلات غالبًا ما ينسجم مع المنطقة (جبال، وادٍ، جنوب).
هوية بلا إقصاء
الهوية الأمازيغية في الموسيقى لا يلزم أن تكون “ضد”؛ غالبًا هي “إلى جانب”: إلى جانب التأثيرات العربية، وإلى جانب الحداثة، وإلى جانب التوجهات الحضرية. هذا التراكب تحديدًا هو ما يجعل المغرب مألوفًا: جذور متعددة، مساحة اجتماعية واحدة.
ماذا تقول هذه التقاليد الثلاث معًا عن المغرب؟
كناوة والشعبي والتقاليد الأمازيغية ثلاث عدسات للمجتمع نفسه. وهي تُظهر كيف تعمل الهوية في الممارسة:
- تعدد اللغات: الدارجة واللغات الأمازيغية والفرنسية (وأحيانًا الإسبانية) تتعايش؛ والموسيقى تطبّع هذا المزيج.
- المنطقة والهجرة: الموسيقى تسافر مع الناس—من القرية إلى المدينة، ومن المغرب إلى الشتات ثم العودة.
- التقليد كنظام حي: التقليد ليس “قديمًا” فقط، بل قواعد يمكن أن تتكيف دون أن تختفي.
كيف تستمع بفهم أعمق؟
- اسأل: ما الغاية من هذا؟ مهرجان أو عرس أو طقس أو غرفة جلوس يحدد اختيارات الأسلوب.
- انتبه لتوزيع الأدوار: من يقود (الإيقاع)، من يحمل (الباس)، من يربط (الكورَس)؟
- استمع لـ“التوتر والانفراج”: خصوصًا في كناوة والشعبي، بناء الطاقة هو القصة.
- خذ الكلمات بجدية: في السياقات الأمازيغية والشعبي، النص غالبًا واقع اجتماعي لا زينة.
الخلاصة
الموسيقى المغربية ليست ظاهرة هامشية، بل مرآة لكيفية عيش الناس معًا. كناوة تُظهر تداخل الإيقاع والروحانية والجماعة. الشعبي يعبّر عن لغة الحياة اليومية والفرح بشكل مباشر. الموسيقى الأمازيغية تحفظ اللغة والتاريخ في اللحن. معًا ترسم صورة عميقة لبلد ليست فيه الهوية خطًا واحدًا، بل فسيفساء.